أحمد بن محمد الخضراوي

217

نزهة الفكر فيما مضى من الحوادث والعبر في التراجم رجال القرن الثاني عشر والثالث عشر قطعة منه

عليه ، وهو يجزل لهم الصلات ، حتى ربما يقف على أحدهم ، وبعد العطاء يعتذر له أنه لم يكن بيده في الساعة والحين إلا ما بيدك من الحين . ولنرجع إلى ما نحن بصدده من سيرته في قضية مبايعته المتقدمة . وهو أنه حين بايعهم وبايعوه على ما تقدم ذكره نصروه واتبعوا أمره فسار بهم سيرا حسنا ، فجهز الجيوش ، وسد الثغور ، ووقع الأمن في أيامه حتى صارت المرأة تسافر بمفردها الأيام العديدة ولا تخشى إلا اللّه تعالى / . وكثرت الأمطار فأحيا بها اللّه الأرض ، واهتزت جوانبها فأصبحت من أنواع الزهر والثمار والحبوب في حلل ، وفاض المال حتى كأنها أيام المهدي ، وذلك لكون إمامته ثبتت مستكملة الشروط برضاء أصحاب أهل الحل والعقد ، فلم يكن متغلبا ولا متلصصا ، فانتشرت رعيته ، فمر نواحي وجدة إلى أرض الترابي ، وجعل دار مملكته مدينة أم العساكر والجيوش الفرنساوية عمرت الجزائر ، وحدّه الساحل كدمرات وعنّابة وما بينهما فصارت حروب ومكافحات ، مرة له ومرة عليه ، ولحسن سيرته ومصابرته العدو انتشرت أخباره في جميع الأقطار ، ووفدت من مشارق الأرض ومغاربها ، وقهر صيته قلوب الأعادي الحاضر منهم والباد ، مرة يجاهد ، ومرة يقاتل أهل البغي والفساد ، وقد جعل الصلح بينه وبين جنس الفرنسيس مرتين ، والصلح هو المهادنة ، ولا نعلم موجبا لنقضه وبقي الحرب بينهم دول وسجال . قال تعالى : « ( وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُداوِلُها بَيْنَ النَّاسِ ) » « 1 » فأخذوا من يده تلمسان وسكنها جندهم ، ثم اصطلح المرة الثانية مع وكيل الري وعظيم الجزائر بشرط على أن يخرجوا من تلمسان وعلى أن يؤدي لهم هو عددا معلوما من النفر والحب ، فانعقد

--> ( 1 ) سورة آل عمران - الآية 140